الصفحه الرئيسيه | اتصل بنا |اجعلنا صفحتك الرئيسية |أضفنا الى المفضله | | لوحة التحكم  
header    
الموضوعات
فهرس الموضوعات
اثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت أحد
123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
282930

القائمه البريديه
الاشتراك في القائمة البريدية



الصفحه الرئيسيه : مواهب في عالم الطفولة : موسيقا : فريد الأطرش العبقرية والمأساة
email ارسل لصديقك | print اطبع |

فريد الأطرش العبقرية والمأساة

بقلم سلمان البدعيش في نوفمبر 17,2009

image

محاضرة للأستاذ : سلمان البدعيش
الساعة السادسة من يوم الخميس في 26 / 12 / 1974 ، أسلم فريد الأطرش الروح ، واستسلم للقدر بعد معاناة وصراع مع المرض داما عقدين من الزمن ، وفقد الوطن العربي أحد أعمدة الغناء والموسيقا العربية الأصيلة   .           تناول الكثيرون سيرة فريد الأطرش وفنه . كتبت عنه المقالات ، وقدمت العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية وألفت الكتب عنه وعن فنه ، وعندما قررت الكتابة عنه حاولت جاهداً أن لا أكون مكرراً لمعلومات سبق أن نشرت ، وتوخيت أن أدخل زوايا لم يلجأ إليها غيري من قبل ، فوجدتني أنتقل من واحة إلى واحة ومن زهرة إلى زهرة في دنيا فريد الزاخرة بالفن والحدث ، واحترت ماذا أثبت وماذا أحذف وماذا أضيف إلى أن استقر بي المطاف عند ما سألقيه على مسامعكم 
وقد تناولت في محاضرتي هذه جانبيين من سيرة فريد العبقرية التي كانت من أهم سماته ، والمأساة التي عاشها في حياته والتي استمرت حتى بعد موته .
1 ـ العبقرية :
لقد وهبه الله موهبة التلحين إلى جانب ، إلى جانب موهبته الصوتية ، وهذا مكنه من أن يكون أحد أعلام الموسيقا والغناء العربي خلال نصف قرن .
يمكن تقسيم مسيرته في التلحين إلى أربع مراحل :
المرحلة الأولى :وهي ما تعتبر المرحلة التمهيدية التي أدخلته باب الشهرة . وفيها غنى : بحب من غير أمل ، عشك يا بلبل ، إمتى تعود ، من يوم جفاك . ( أما أغنية يا ريتني طير ، فهي من ألحان الملحن الفلسطيني يحيى اللبابيدي ) وهناك أغنيتان أخريان من تلحين مدحت عاصم هما : كرهت حبك ، ومن يوم ما حبك .
المرحلة الثانية : وتميزت بتلحين الأوبريت ، والتوزيع الأوركسترالي واستخدام الكورال لأول مرة في مصر.
المرحلة الثالثة : ومن سمات هذه المرحلة : الأغاني الكلاسيكية الطربية  ذات المقدمات الموسيقية ، مثل : أغنية حبيب العمر وأغنية الربيع التي تعتبر سنفونية الموسيقا العربية وملحمة النغم ، لما فيها من غنى في الألحان والمقامات ، إلى جانب تأكيده على صيغة الأوبريت والاستعراض مثل : بساط الريح ، الحب قسمة ونصيب ، الشرق والغرب ، مع استمراره في تقديم الأغاني الراقصة في ألحانه للأغنيات القصيرة .
المرحلة الرابعة : وتعتبر امتداداً لما سبقها في الأغاني العاطفية والموال والاستعراض ، وإن تميزت بتقديم اللحن ذي الطابع القومي ، من خلال الأناشيد ، حيث أدخل عليها الآلات النحاسية بطريقة المارش ، لتساير الهدف اللحني . هذا بالإضافة إلى تلحين القصائد مثل : لا وعينيك ، ويوم مولدي لكامل الشناوي ، وأضنيتني بالهجر ، للأخطل الصغير .
                               *      *      *
 عندما تقدم فريد الأطرش لامتحانات القبول في معهد الموسيقى العربية عزف قطعة على العود من تأليفه ، وبدأ رياض السنباطي يعلمه أصول العزف على العود ، وبعد عام واحد قال له : لم يعد عندي ما أعلمك إياه . الشهرة هي التي سعت إليه ولم يسع إليها ، فموهبته وحدها هي التي أدخلته الإذاعة المصرية ، فعندما زار مديرها مدحت عاصم المعهد الموسيقي قادته مسامعه إلى صوت عزف على العود ينبعث من إحدى غرفه ، فاتجه نحوه ، وكان فريد يعزف ، فتوقف عن العزف ، فأشار إليه أن يستمر ، فأعجب به ودعاه إلى العزف في الإذاعة ، فكان يعزف مرتين في الأسبوع على الهواء مباشرة . وتطور الأمر إلى الغناء ، وأعطاه مدحت عاصم لحنين كما ذكرنا  ، وكان في نفس الوقت يعمل كمطرب في مسرح بديعة مصابني ، وشارك في تلحين العديد من الأعمال الاستعراضية ، إلى جانب عزفه اليومي في إذاعة الياس شقال الأهلية . وعندما غنى في الحفل الساهر الذي أقامته الإذاعة الحكومية بمناسبة افتتاحها ، كتب عنه أحد الصحفيين : ( نحن أمام موهبة موسيقية ذات شرقية أصيلة ، فإذا كان داود حسني ، ومحمد عبد الوهاب ، وكامل الخلعي ، وزكريا أحمد ، يضعون الألحان الشرقية التي شق فنان الشعب سيد درويش الطريق إليها ، فإن فريد الأطرش جاء لينفرد بلون يجمع فيه إلى شرقية مصر ، شرقية لبنان وسورية وكل قطر عربي)
      وأول أغنياته بالإذاعة كانت : بحب من غير أمل ، وقدمت مساء  السبت 21/3/1936 ثم قدم أغنية يا ريتني طير التي بيع منها 10 آلاف نسخة ، وأصدرتها شركة( بيضا فون ) التي يمتلكها اللبناني ميشال بيضا .
      عام 1939 وضع فريد كل الألحان الموسيقية والغنائية لفيلم  انتصار الشباب الذي جمعه بأسمهان . بخلاف فيلم غرام وانتقام الذي اقتسم ألحانه مع عدد من الملحنين .
ومن خصائص عبقريته وتأكيداً لهذه العبقرية ، أورد بعض ما كتب وقيل عنه من قبل كبار النقاد والموسيقيين .
      اعتبره الكثير من النقاد ، مثل كمال النجمي ، والدكتورة رتيبة الحفني ، المنافس الوحيد لعبد الوهاب .
      حتى خصمه التقليدي عبد الوهاب قال : لا يستطيع أن يتصدى مؤرخ لتاريخ النهضة الموسيقية في هذه الفترة من عمر الزمن ، دون أن يقف طويلاً أمام فريد الأطرش كرائد من الرواد الأوائل ، وعلم من أعلام اللحن والغناء ، لم يحد يوماً عن فنه العربي الأصيل . ( وأدرج هذا الكلام في كتاب أحمد شفيق أبو عوف في الجزء الخامس من إصدارات اللجنة الموسيقية عام 1976 .
      الناقد الفني أنطوان بارودي قال : ممن لا شك فيه إن الموسيقار الكبير طور الموسيقى الشرقية ، وساهم في تطوير الإيقاع والميلودي ، خلال الأربعين سنة الماضية ، من كان يتوقع أن يضع فنان لحناً مثل لحن ( ليالي الأنس ) في العهد الذي ظهرت فيه هذه الأغنية ؟ هذا اللحن خلد فريد وأسمهان الفالس العربي .        ( مجلة الشبكة 6/1/1975 . )
      أم كلثوم قالت : إن فريد اسم على مسمى ، كان وسيظل درة في تاريخ الغناء العربي ، من خلال ما أعطى ، وما أكثر ما أعطى .
      إن فريد الأطرش أعطى الموسيقا الشرقية أفكاراً جديدة متطورة وممتازة وجريئة ، لم يعطها أي ملحن آخر معاصر له ( بليغ حمدي من كتاب ـ دفاع عن الضياع الحضاري ـ فصل عن فريد الأطرش بين الفن والحياة ، دار المعارف 1975 .
      رئيس تحري مجلة الشبكة الأستاذ جورج خوري كتب في العدد 2301 تاريخ 10ـ17 نيسان 2000  ( عبد الوهاب قال لي مرة : إنه كان مستعداً أن يمنح فريد الأطرش خمس سنوات من عمره ، لو أن فريد أعطاه مطلع لحن أغنيته المعروفة ـ أنا واللي بحبو  ) .
      كانت أغنية ـ يا زهرة في خيالي ـ أول لحن عربي يجتاز الحدود العربية إلى العالم ، حيث غنى هذا اللحن مطرب سوفييتي ، وطبعه على أسطوانات ، وانتشرت هذه الأغنية فيما بعد في كل أنحاء أوروبا .
      عام 1962 أجريت مسابقة في تركيا لاختيار أحسن العازفين على الآلات الشرقية ، وقد حجبت الجائزة عن آلة العود لتمنح لفريد الأطرش حتى دون أن يشارك في المسابقة .
      في عام 1964 قدم الموسيقي العالمي فرنسي الجنسية فرانك بورسيل ، ومن خلال شركة عالمية اسطوانة ضمت 4 مقطوعات موسيقية لفريد الأطرش ، وعزفت من قبل أوركسترا كانت تعد الأكبر عالمياً آنذاك ، وكانت المقطوعات : حبيب العمر ، نجوم الليل ، ليلى ، وزمردة .
      وفي عام 1965 غنّت المطربة العالمية مايا كازا بلانكا أغنية ياجميل ، بعد ترجمتها إلى اللغة الفرنسية ، مع الإبقاء على كلمة ياجميل بالعربية . وكان فريد قد غناها قبل عشر سنوات في فيلم قصة حبي .
      لقد ترجمت أغنيات فريد إلى سبع لغات حية هي : الفرنسية ، الإنكليزية ، الألمانية ، التركية ، الفارسية ، اليابانية ، وأخيراً العبرية .
      في أيلول 1995 أقيم في عاليه بلبنان مهرجان لتكريم فريد الأطرش بحضور وزيري الثقافة في سورية ولبنان ، ونقيب الفنانين السوريين ، والدكتور وليد غلمية مدير الكونسرفاتوار اللبناني ، والمستشار الثقافي المصري ، وعدد كبير من الفنانين والفنانات ، وقدم من سورية وفد يمثل أسرة الفقيد ، وكان لي شرف مرافقتهم . وأورد لكم بعض ما قيل في هذا المهرجان :
      فريد الأطرش كان أحد نجوم عاليه التي تضيء لياليها الساهرة التي كانت تضم أبناء الوطن العربي . إننا نحيي ذكرى فريد الأطرش لأن صاحب الذكرى قيمة فنية وإنسانية ووطنية ، ولأن إحياء ذكراه إحياءُ للأصالة والتراث في زمن تهاوى فيه مستوى الفن وطغت عليه السطحية والابتذال ( رئيس مهرجانات عاليه ـ أكرم شهيب ـ  .
      كلما عبر التاريخ حقول التلحين الشرق ـ عربي كلما تكشفت قيمة ألحان فريد الأطرش الموسيقية ، ولكي أكون أكثر تحديداً أدرج الملاحظات التالية :
1 ـ هناك علاقة وثيقة بين المقدمة الموسيقية لأغنية فريد الأطرش  وبين النص الموسيقي للأغنية ككل ، وهو أمر شبه مفقود عند غيره من ملحني عصره .
2 ـ إن العبارات والجمل اللحنية عند فريد ، مترابطة ضمن إطار إيقاعي وكذلك ضمن مقاييس وثيقة من التوازن .
3 ـ فريد الأطرش هو الأبرز بين معاصريه في إمكانيات ترجمة أعماله الغنائية لكي تعزف أوركستراليا ً ، وإن أغنياته بعباراتها وجملها اللحنية هي الأكثر قبولاً وطواعية لتحويلها إلى عمل موسيقي أوركسترالي ، وهو الأمر الذي حصل فعلاً بواسطة فرانك بورسيل ، ورود غودوين .
      ( وليد غلمية مدير المعهد الموسيقي الوطني اللبناني ) .
      لجنة مهرجانات عاليه ، قررت إطلاق اسم فريد الأطرش على شارع البيسين في عاليه الذي كان فريد يغني فيه .
العبقرية والخلود :
بالإضافة إلى الأعمال الموسيقية والغنائية التي خلدت فريد الأطرش ، فقد كان مطرباً لكل العرب ، حمل 4 جنسيات عربية هي : المصرية ، اللبنانية ، السودانية ، إضافة إلى جنسيته السورية الأصلية .
      نال العديد من الأوسمة منها :
وسام الاستحقاق اللبناني المذهب .
وسام الاستحقاق المصري .
وسام الكوكب الأردني برتبة فارس .
قلادة النيل المصرية .
وسام الأرز الوطني اللبناني من رتبة ضابط ، وذلك بعد وفاته .
نال ميدالية الخلود من فرنسا عام 1975 .
كرمته نقابة الفنانين اللبنانيين بتسميته رئيساً لها مدى الحياة .
نال جائزة الفنون والآداب المصرية من الدرجة الأولى .
انتخب رئيساً لجمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى المصرية منذ عام 1962 وحتى وفاته .
العبقرية في سرعة التلحين : ذكر لي أخوه السيد منير الأطرش إن فريد لحن أغنية مرحب مرحب مرحبتين في ليلة واحدة ، بعد أن طلب منه وزير الثقافة المصري ذلك ، لتقديمها في حفل بمناسبة زيارة شخصية لبنانية عالية المستوى لمصر أقيم على شرفه في سينما قصر النيل عام 1955 . كما لحن أغنيتي عالصورة امضيلي عالصورة لصباح ، وبيع الجمل يا علي لسميرة توفيق في ليلة واحدة أيضاً .
فريد الأطرش والعروبة :
غنى فريد الكثير من الأغاني الوطنية والقومية ، فعندما قدمه أحمد زكي باشا الذي كان يلقب بأبي القومية العربية في مصر عام 1925 كي يغني في حفل أقيم لصالح الثورة السورية بدأ الأغنية بموال قومي .
      أوبريت بساط الريح تعد أول أغنية تحمل مضموناً قومياً يرقى إلى  الدعوة للوحدة العربية . وكذلك فإن أغنية مرحب مرحب مرحبتين تتضمن موالاً يقول فيه :
أسأل الله يبلغني كل المقصود        وشوف الأمة العربية من غير حدود
يمشي العربي بأملاكه ببساط ممدود   لا تقولو وين أوراقك ولا رايح فين
وغنى أيضاً أغنية المارد العربي ، وأغنية بورسعيد قبلة الشعب العنيد وغنى من أجل فلسطين ، وردة من دمنا ، ولحن للوحدة بين سورية ومصر : من الموسكي لسوق الحميدية ، وحموي يا مشمش ، اللتين غنتهما صباح .
      لقد لحن فريد الأطرش وغنى  حوالي مائتي وخمسين لحناً ، غير الألحان التي أعطاها لغيره .
فريد الأطرش والسينما :
دخل فريد الأطرش السينما من أوسع أبوابها ، فقد نجح فيلمه الأول ( انتصار الشباب ) ودام عرضه سبعة أسابيع ، في حين كانت أفلام عبد الوهاب وأم كلثوم تعرض بين 3ـ4 أسابيع ، وكتب المحرر الفني لمجلة الصباح عام 1941 :  صادف الفيلم نجاحاً أكثر مما كان يتوقعه الكثيرون ، وعرف رأي الجمهور من مظاهر الإعجاب والتصفيق التي حيّا بها أسمهان وفريد في نهاية الفيلم حيث كانا حاضرين بين المتفرجين . ) وقد ذهبت أم كلثوم في أحد الأيام بصحبة فريد إلى سينما ستوديو مصر لتشاهد أول فيلم غنائي حقيقي في تاريخ السينما المصرية .
      لقد قام ببطولة ثلاثين فيلماً ناجحاً ، وهو أول من أدخل فن الأوبريت والاستعراض إلى السينما المصرية .
      وخلاصة القول في هذا المجال : إن فريد الأطرش ذو موهبة صوتية ولحنية  أدخلته سجل الخلود  .
                           *      *      *
فريد الأطرش الفنان ، والإنسان :
كان فريد كريماً عزيز النفس لم يرخص ولم يسف في علاقاته الاجتماعية ، كان صديقاً لكثير من الرؤساء والملوك العرب ، وإن شخصيته كفنان هي امتداد لشخصيته كإنسان ، قال عنه الناقد الفني عد نان مراد في مجلة ( ألوان ) في الستينات :إن فريد الأطرش فنان يعيش بنفسية أمير .
      كان محباً وشهماً وكريماً إلى أبعد الحدود ، فهو لا يستطيع تناول طعام الغداء لوحده ، ولا بد من وجود أصدقاء وضيوف معه على المائدة وكان أينما يسهر يحيط به عدد من الأصدقاء ، حتى تساءل الناس : متى يجد وقتاً للتلحين ؟ كما أنه كان يجود بسخاء على المعوزين والفنانين والمرضى أو العاطلين عن العمل بأساليب تحفظ كرامتهم ، وكان بيته في القاهرة وبيروت بيتاً للضيافة يقصده الأصدقاء ، وقد قال لي أخوه منير : إن الكثير من الزعماء العرب كانوا يجعلون من بيته آخر محطة لهم قبل توجههم إلى المطار . ومن القصص التي تروى عن كرمه أنه عندما توفيت والدته توجه عدد من أصدقائه إلى بيته في لبنان لتعزيته ، فقال لهم : لا أحب إن أرى الحزن على وجوهكم ، أشكركم أيها الأحباء ، وطلب من أخيه منير أن يحجز لهم طاولة في أحد المطاعم الشهيرة لتناول طعام العشاء ، وأصر عليهم حتى نزلوا عند رغبته .
      كان له نبل الفارس ، ورقة الفنان ، ومن خلال ترؤسه لجمعية المؤلفين والملحنين قدم الكثير للدفاع عن حقوق زملائه ، وكان ماله الخاص حلاً سحرياً لكل مشاكل الروتين ، فقد أثث الجمعية  من جيبه وكان كرمه الحاتمي حديث الجميع ، في حياته وبعد مماته . ويصف الصحفي فوميل لبيب ذلك بقوله : ( كان كريماً ، مائدته العامرة مضرب الأمثال ، وهو يحب العطاء ، ولا يقبض يده في عون أو غوث . لهذا كان الموسيقيون يختارونه نقيباً لهم ، لأنه يعطي من جيبه فوق ما تعطي الخزانة من حصيلتها ، وله آيات لا يعرفها أحد من مرتبات مرصودة ، أو رعاية لطلبة غير قادرين ، أو شيوخ أقعدهم المرض .
المأســـــاة :
      عاش فريد حياة الغربة عن وطنه منذ صغره ، فقد رافق والده إلى إزمير حيث كان يشغل منصب متصرف لواء ، وعندما قامت الثورة العربية ، أعفي والده من منصبه ، فانتقل مع عائلته بالباخرة إلى بيروت ، وفي الطريق ولدت أسمهان . واستقروا في بيروت حتى قامت الثورة السورية الكبرى ، فحاول الفرنسيون القبض على الوالد ، ولكنه فر إلى الجبل . وذات مساء جاء ضابط لبناني يخدم في الجيش الفرنسي ليخبر الوالدة بأن الفرنسيين ينوون القبض عليها ، فهربت في سيارة كانت تمتلكها إلى حيفا في فلسطين ، وهناك باعت السيارة ، وسافروا بالقطار إلى مصر ، وعلى الحدود لم يسمح لهم بالدخول  لأنهم لا يحملون أوراقاً رسمية فطلبت من ضابط الجوازات أن يتصل بسعد زغلول وكان رئيساً للوزراء فاتصل به وأمر بدخولهم بعد أن عرف من يكونوا .
      في مصر كان على فريد أن يعمل مع أخيه فؤاد في أماكن مختلفة لتأمين لقمة العيش ، كما شاركت الأم في العمل بشغل مناديل نسائية تسمى في مصر  ( أبوأوية ) لبيعها والمساهمة في مصروف الأسرة . وانتسب فريد وأخوه إلى مدرسة ( الفرير ) الفرنسية باسم عائلة كوسا ، وكانت الثورة مشتعلة في سورية ، ولما عرف مدير المدرسة حقيقة أمرهم ، وبانتسابهم إلى أسرة قائد الثورة سلطان باشا الأطرش فصلهم من المدرسة ، فعرفهم الصحفي السوري حبيب جاماتي إلى شيخ العروبة في مصر أحمد زكي باشا الذي كان قد سعى لإقامة حفلة لمناصرة الثورة السورية فقدم فريد ليغني في الحفلة ثم سهل دخوله إلى مدرسة أخرى ثم إلى معهد الموسيقى .
      منذ دخول فريد إلى مصر وحتى وفاته ، كان ينظر إليه على أنه شامي ، وهذه النظرة الضيقة حرمته من أن يكون نقيباً للفنانين في مصر . فقد كان الصراع بينه وبين محمد عبد الوهاب مستمراً حول من سيكون النقيب ، وعندما تأكد لمناصري عبد الوهاب أنه إذا تم انتخاب الرئيس من قبل الهيئة العامة يضمن الفوز لفريد ، عدلوا في النظام الداخلي بحيث ينتخب الرئيس من قبل مجلس الإدارة ، وهذا ضمن لعبد الوهاب الفوز بصوت واحد ، وأرضي فريد بمنصب نائب الرئيس .
      كان شعوره بالغربة متمثلاً في الكثير من أغانيه وحياته ، فعندما سافرت شقيقته أسمهان إلى سورية غنى :
يانسمة تسري إلى ديار الحبيب    إحكي له سري وكيف أحيا غريب
     قال عن نفسه في إحدى المقابلات التلفزيونية : إن ألحاني تخرج إلى النور من ذكرياتي التي حفلت بالآلام .
      على أن المأساة الكبرى في حياته كانت فقده لشقيقته أسمهان في 14 /7 / 1944 ، فقد توأم روحه وفقد صوتاً عظيماً يمكن أن يستوعب ألحانه العظيمة  كانت أمنيته أن يجد في صوت أم كلثوم بديلاً لأسمهان يفرغ بواسطته شحنات عبقريته في التلحين ولكن هذا لم يحدث والذين قربوا بين أم كلثوم وعبد الوهاب لم يفعلوا ذلك بالنسبة لفريد وبقي التلحين لأم كلثوم أمنية لم تتحقق .
      رثا شقيقته بعدة أغاني : فهي زهرة في خياله ، رعاها في فؤاده ، ولكن الليالي جنت عليها ، وأذبلتها الأيادي ، وشاغلتها العيون ، فمات سحر الجفون .
كما غنى :
يا منى روحي سلاما من غريبِ       يرسل النجوى إلى دار الحبيــبِ 
حكم الدهــر علينا بالنــوى       وغدا الحزن على الماضي نصيبي 
      ومن جوانب مأساته أنه بقي طيلة عمره عازباً فقد فشلت مشاريع زواجه من كل من ساميا جمال ، وشاديا، وناريمان صادق التي أصبحت فيما بعد ملكة مصر بعد أن اختطفها منه الملك فاروق . وبعد تركها لفاروق ـ بعد خلعه عن عرش مصر ـ أعاد علاقته معها ، وأخذ يتردد على بيتها ، ولكن مقابلة صحفية أجراها الصحفي موسى صبري أفسدت كل شيء . فقد أجرى مقابلة مع والدتها وأشار إلى تردد فريد على بيتهم فاتهمت فريد بأنه لم يفهم معنى الصداقة .
      وعندما طلب موسى صبري الرد من قبل فريد أجاب بكل لباقة وأدب كان يشرفني أن أصاهر هذه الأسرة ولكني لم أطلب يد ناريمان أبداً، وبعدها سقط في غيبوبة وكانت النوبة الأولى التي تصيب قلبه ، والذبحة الصدرية الثانية أصيب بها من جرّاء العمل المتواصل رغم نصيحة الأطباء له بالراحة والثالثة بعد مهاجمة الصحافة له لتربيته الخيول ، وكُتب : أن خيول فريد  أسعد حالاً ما أناس كثيرين لا يجدون قوت يومهم .
     وعندما حاول الاعتزال حفاظاً على صحته ، انهالت عليه الرسائل والمكالمات الهاتفية ، حتى بلغ بأحد المعجبين بأن يقول له : إذا اعتزلت سأقتلك وهكذا قرر العودة إلى العمل ، فكان يصاب بالإغماء وتورمت قدماه بسبب ضغط القلب ، وسقط مرة في الحمام وأصيب بجرح في ذقنه ، استوجب خياطته ، فعاد متنقلاً بين القاهرة ولندن وأميركا . وقال له طبيب القلب المشهور الدكتور دبغي : يلزمك عملية جراحية ، ولكن كي تنجح العملية يجب أن ترتاح راحة تامة لمدة تسعة شهور قبل العملية ولكن فريد بعد عودته من أميركا عاد للغناء والسهر وإكمال الفيلم الذي بدأه قبل السفر وهو ( حكاية العمر كلّه ) ولكن رحلة الموت بدأت في لندن فقد تعب قلبه وأعيد إلى بيروت وهناك فارق الحياة ونقل الجثمان إلى القاهرة حسب وصيته .
لقد شهدت القاهرة أكبر جنازة في تاريخها بعد جنازة عبد الناصر ، فقد حاول المشيعون اختطاف التابوت ليطوفوا به شوارع القاهرة وشوارع بعض المدن المصرية ، وبصعوبة استطاعت السلطات تخليص التابوت وحمله إلى المدفن . لقد كرم على المستوى الشعبي أما على المستوى الرسمي ، فقد أطلق اسمه على شارع بحي المطرية وهو حي قديم ، كما أطلق اسمه على مسرح يحتل ركناً من أركان المعهد الموسيقي ، ويحتل الركن الثاني مسرح باسم محمد عبد الوهاب ، وهناك نية لإزالة ركن فريد الأطرش لحاجة المعهد إليه ، ولم تجد بعض المقترحات والحماس لتكريمه بشكل أفضل على أن مأساة فريد تستمر بعد موته فقد دفن في غرفة يشغل قسماً منها قبر أسمهان  ، هذه الغرفة تخلو إلا من شاهدين يشيران إلى اسمي الراقدين وقد وصف احد المهتمين هذه الغرفة بأنها ، غرفة متواضعة يعلوها الغبار يوصل إليها طريق ترابي .
      وهنا يظهر عمق المأساة خاصة إذا علمنا أن لكل من عبد الوهاب وأم كلثوم متحفاً باسم كل منهما يضم مجموعة من تراثهما الفني والشخصي .
   وإننا نتساءل الآن : أين تراث فريد أين أعواده الثمينة ؟ أين عمارته ؟ أين شقته في القاهرة التي كانت تضم الكثير من التحف الشرقية وأمتعته الشخصية وأوسمته؟ أين عوامته الشهيرة التي كانت ترسو فوق مياه النيل ؟ أين شقته في بيروت وما كانت تحتويه من أرشيف وتسجيلات لبروفات على الأغاني ؟ .
من المسؤول عن هذا الإهمال ؟
 هل أصاب فريد أم أخطأ بوصيته أن يدفن في مصر ؟ من هي الجهة التي يترتب عليها الآن إيقاف الانهيار بتاريخ فريد وتراثه ؟
     أسئلة عديدة تطرح وقد تجد العديد من الأجوبة لكل سؤال ولكننا أبداً لن نصل إلى جواب شافٍ .
سلمان البدعيش


189 عدد مرات القراءه

ما رأيك؟

1 2 3 4 5 Rating: 4.96Rating: 4.96Rating: 4.96Rating: 4.96Rating: 4.96 (المجموع 536 الاصوات)
الاكثر قراءه
الأكثر ارسالاً عبر الإيميل
محرر مميز